الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
149
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المقصد التاسع في لطيفة من عباداته قال اللّه تعالى مخاطبا له - صلى اللّه عليه وسلم - : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » . فأمره تعالى بعبادته حتى يأتيه الموت ، وهو المراد ب « اليقين » ، وإنما سمى الموت باليقين لأنه أمر متيقن . فإن قلت : ما الفائدة في قوله : حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 2 » وكان قوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ « 3 » كافيا في الأمر بالعبادة ؟ أجاب القرطبي تبعا لغيره : بأنه لو قال : وَاعْبُدْ رَبَّكَ « 4 » مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا ، ولما قال : حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 5 » أي اعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تمل ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من هذه العبادة . كما قال العبد الصالح : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا « 6 » . وهذا مصير منه إلى أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، وهي مسألة معروفة في الأصول اختلف فيها . وهي : هل الأمر المطلق يفيد التكرار ، أو المرة الواحدة ، أو لا يفيد شيئا منها ؟ على مذاهب : الأول : أنه لا يفيد التكرار ولا ينافيه ، بل إنما يفيد طلب فعل المأمور به من غير إشعار بالمرة أو المرات ، لكن المرة ضرورية لأجل تحقيق الامتثال ، إذ
--> ( 1 ) سورة الحجر : 97 - 99 . ( 2 ) سورة الحجر : 99 . ( 3 ) سورة الحجر : 99 . ( 4 ) سورة الحجر : 99 . ( 5 ) سورة الحجر : 99 . ( 6 ) سورة مريم : 31 .